الاثنين، 25 أكتوبر 2010


مذكرات حبيب.

تخيل ان تكون نائما,وان يطرق الباب فجأة,وليس مجرد طرق,بل هدم للباب,فمن أصول الأدب والذوق والدين ان تطرق الباب ثلاثا فان لم يستجب إليك احد فلتنصرف,ولكن في تلك الطرقات كان الطرق مستمرا الى ان يخرج احد ويفتح الباب وحتى لو لم يكن احد في البيت سيفتح الباب على أي حال.
تخيل ان تكون نائما والدفء والحنان يحيطان بك من كل جانب وتخيل معي ان يكون الحلم عماد نومك والأمل غطاء فوقك وان تكون العزيمة عجينة أصلك.
وان تصحو على صلاة الفجر,الفقر همك والجوع هو ضوء بيتك الصغير.فلتعلم ان كل ما تمر فيه ليس هما,وحتى المرض والحرمان وعدم الإنجاب ليست هموما بعد,ولكن هل يستطيع احد ان يحمل مثل هذه الأعباء على عاتقيه؟ نعم هذه الأعباء حملها حبيب منذ صغره فقد ولد في سنة 1948.م. ولد في الشتاء,ولد في عز أيام النكبة,نعم انه انا,انا حبيب طرقت النكبة أبوابي وأنا في مقتبل العمر أصبحت مسؤولا عن عائلة مكونة من ثلاثة إخوة ..بالطبع ستتساءلون لم انا المسؤول؟وليس والداي؟سأقول لكم وبكل أسف,لقد فضل والداي ان يقضيا شهيدان بعد 10 سنوات من النكبة وقررا الرحيل مع ذكريات النكبة المؤلمة التي لا تزال متأصلة في ذهني الى اليوم...اليوم اصبح عمري 24 عاما,شاب في عمر الورود,شاب كافح منذ صغره,لم يتعلم,كرس حياته للعمل كي يجلب النقود والطعام والمكسى لإخوانه الثلاثة..لم أكن نادما يوما باني اعتني بإخوتي لان إخواني هم سندي في الدنيا والآخرة,وكنت أقول لنفسي:"الآن انا اعتني بهم وغدا هم سيعتنون بي"...وأكملت حياتي على هذا المنوال,فتارة اعمل بائعا لصحيفة الأيام وتارة كنت أبيع الخزف والقصب وتارة اخرى كنت اعمل ماسحا لسيارات زعماء وكبار البلد...اكثر مهنة أحببتها هي الأخيرة لانه في تلك المهنة..في ذلك الوقت..في تلك الدقائق تعرفت على شابة جميلة تحمل من العمر 19 عاما تقريبا,انها تدرس في الجامعة..كافحت كثيرا من اجل ان اعرف اسمها..والى هنا رن اسمها في ذهني..اسمها رسيل او الماء العذب..لا اذكر يوما أنني أحببت أحدا كما أحببت تلك الفتاة ولكن حبا شريفا والله يعلم .أحبها ومن حبي لها..كنت أخاف ان أبوح لها بحبي,حتى لا تصدني  وتتخذ مني موقفا ..لربما لو صارحتها..تقبلتني..ولربما أهانتني ولم تكترث لأمري,فهي رسيل بنت من اعرق عائلات البلد وأنا من أدناها,بنت متعلمة وأنا لم أصل إلا للصف التاسع,كنت كما أحدثكم الآن اكتب مذكراتي..ووقعت المذكرات في يدها..فقدمت إلي..ظننت انها تبادلني الشعور ذاته..ولكنها مزقت مذكراتي,صفعتني على وجهي,بل وأهانت الشيء الوحيد الذي بقي لي وهي كرامتي أغلى ما املك,ولم تكتفي بذلك بل أخذت تقول"انا متعلمة وأنت ماذا؟أطبيب؟أم مهندس؟..لقد نسيت انك تمسح سيارتي كل يوم"ونادت بأعلى صوتها "ابي...ابي" هذا التافه لم يمسح سيارتي بل وحاول سرقتها أيضا,لكنه لم يقل شيئا..إلا انه طردني الى خارج المحل ,ولم يعطني تعويضي الذي انتظره منذ زمن بعيد,لكي اشتري لإخوتي الكتب التي يريدوها.
وبعدها قررت ان أغلق قلبي على رسيل,فانا لا استطيع ان أحبها بعد الآن,لأنها تزوجت من ذلك الطبيب الذي نعتتني به.

كبر إخوتي محمد عمره 22 عام,وسامي 23 عاما وقيس 24 عام وأنا الآن عمري 30 عاما.....تخرج إخوتي كلهم وقررت انا ان أتزوج فقد نسيت رسيل,فخطبت فتاة من أمثالي متواضعة وجميلة وحددنا موعد عرسنا,ولكن ما جرى هو ان قابلني جميع إخوتي بالرفض.لماذا؟لأنني في يوم من الأيام سجلت بيتنا باسمهم بل وأموالي أيضا وضعتها في حسابهم؟كما وقالوا لي ارحل عنا فنحن لا نريدك؟من شدة الموقف أخذت اضحك بأعلى صوتي فكيف يتصرف معي إخوتي بل هم بمثابة أولادي هكذا؟اعتنيت بهم منذ الصغر,حميتهم من كل ضرر ومن رماهم بوردة رميته والله بحجر.إخوتي باعوني ..رفضوني ..بل وخجلوا بي أمام رفاقهم فالجميع متعلم..وأنا...انا لو تعلمت لربما أصبحت منهم وفيهم اما هكذا فلا مكان لي بينهم ولكنهم يعلمون أنني اخترت الجهل لكي أوفر لهم الحياة الكريمة؟عندئذ لم تتخلى عني خطيبتي,انا من قلت لها جدي لك أحدا يطعمك ويسكنك بيتا له؟وذهبت,وها انا اتخذ من الشارع بيتا ومن السماء غطاء ومن الحجر متاعا وطعاما,فيا ليت الزمان يعود,ويا ليت العمر يمضي فساعة الزمن توقفت, وأخذت في ثانية أعيد شريط حياتي ,وقتي الضائع,أمي,ابي,النكبة..ما ذا عملت بي النكبة؟من افتعل النكبة؟وهل يستطيع احد ان يوقف نكبة فلسطين؟انا استطيع.انضممت الى الجهاد في سبيل الله ..فرغت كل غضبي في العدو..حاربت..قتلت..جرحت..دافعت..وها انا اقضي شهيدا يحمل على الأكتاف ..زفوني عريسا الى قبري كما لم أكن عريسا في الحياة..فانا عريس الشهادة؟كنت أتمنى ان أرى رسيل ولكنها لم تريدني حيا فهل ستحبني ميتا . كان سيكتمل عرس شهادتي لو حملني إخوتي على أكتافهم؟ولكن بعد سنتين من استشهادي وبعدما جف تراب قبري جاء إخوتي ووضعوا باقة من الأزهار على قبري ,وعندها قال احد أصدقائي الذي شهد جميع ذكريات حياتي القاسية وما فعل الأحباء بي.قال:


" وردة لشخص على قيد الحياة افضل بكثير من باقة على قبره."